تسجيل الدخول | التسجيل


جميع الأوقات تستخدم GMT


اليوم هو الثلاثاء سبتمبر 07, 2010 4:12 pm




إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: وجع مالك...رواية...حميد الربيعي..الفصل السادس
مشاركة جديدةمرسل: الاثنين يونيو 07, 2010 6:30 pm 

اشترك في: الجمعة مايو 14, 2010 5:01 pm
مشاركات: 118
6- المسجى:
تعاون مسعفان على نقل الجثة إلى سيارة اسعاف، الاول تناول الملف والثاني اصبح سائقاً، مدير المستشفى اوصاهما بكل التعليمات المرافقة للنقل، ثم لوح لهما مودعاً، تحركت الاسعاف من المستشفى التعليمي متجهة إلى العاصمة، شغلاً صفارة السيارة عندما اجتازت الشارع الفرعي ومستديرة إلى الشرق، اذ عليها أن تمر بثلاث مدن صغيرة قبل أن تستلم الطريق الرئيسي، بعض من رجال المرور يفسحوا الدرب كيما تواصل سيرها، عند احد الاشارات اوقفهما شرطي ليلقي التحية، رحب السائق به بينما الثاني القى شتيمة رخيصة بصوت هامس، السباب لم يكن بسبب التوقف انما قطع عليه قراءة اوراق الملف، اذ شدته غرابة الحادث التي تعرض له الشخص.
كانت الصفحة الاولى عبارة عن توجيه موقعة من مدير المستشفى وموجهة إلى المستشفى المركزي مع رجاء خاص وشخصي بان يتم الاعتناء بالحالة كون الشخص المنقول هو طبيباً في مهنته.
الورقة الثانية مكتوبة باللغة الانكليزية وعليها توقيع ثلاثة اطباء. المسعف يعرفهم شخصياً ويكن لهم الاحترام، لذلك اعتبر حالة المنقول مهمة، فنادرا ما التقى هؤلاء الثلاثة الا اذا كانت الحالة مهمة جداً، في مدينتهم الساحلية يتحايل الناس بالف واسطة للوصول إلى أي من هؤلاء الاطباء الثلاثة.
- كيف اجتمعوا ومتى؟
رد السائق وكأنه يسوق خبراً مهماً.
- منذ امس والمستشفى في حالة هيجان ، اعتقد أن الشخص الذي ننقله مهم جداً
- اذا كان مهما فلم لا ينقل بالاسعاف الطائر؟ رجع يقلب بقية اوراق الملف، فوجد صفحة المعلومات العامة عن المريض فتأكد الان لم المريض مهم.
- انه طبيب، ربما اهتموا به لهذا السبب.
- اعرف هذا، لكن لا اعتقد.
- قد يكون بسبب انه غريب.
- ربما، لكن هناك العشرات منهم يتعرضون لحوادث.
- اذن لم هذا الاهتمام الزائد به؟..
- الم تسمع المدير: انه ليس حالة طارئة؟
- ما دام كذلك دعنا نفطر في أي مقهى.
بعدما خرجت الاسعاف من مدينة ((الزاوية)) بحثا عن مطعم على الشارع الرئيسي، صادفهما بعد محطة تعبئة الوقود، ركنا السيارة على جانب الرصيف وعبرا إلى الجانب الاخر، جلسا يتناولان سندويش سردين مع البيض، اكلا بصمت ثم حاورهما رواد المقهى، كان الحديث وديا وتبادلوا المعلومات عن الموسم الزراعي ثم ضاق الحديث حتى وصل إلى السيارة التي تعلن صفارتها منذ نصف ساعة عن وجود مريض بداخلها.
لقد نسيا اطفاء الصفارة مما سبب ارتباك في حركة السير على الشارع، سارع السائق عندما توقفت دورية شرطة بالقرب من الاسعاف، ادعى أن السيارة بحاجة إلى ماء لتبريد شبكة المحرك، تحركا تحت رقابة الشرطة، انطلقا بعد نصف ساعة بعدما ودعا رجال الدورية، السائق يخاطب زميله:
- انا ارثي لهذا المسجى في السيارة يا عيني: غريب ووحيد.
- ليس وحيد، لقد طالب به السواح، انظر.. هذا محضر الشرطة، وجدوه عند الشاطئ، ارادوا نقله معهم إلى بلادهم.
- ماذا يقول التقرير؟
- لقد تعرض لعملية سطو، سرق ماله وكل الممتلكات الخاصة، حتى جهاز الهاتف، لكن لماذا القتل؟
- هل هو ميت؟ ، اننقل جثة؟ قل الحق..
- هو قتيل..، اين يدفنون الغرباء؟
- يا رجل، استغفر الله، قل.. هل هو ميت حقاً؟
استمر الجدال بين الرجلين حتى وصلوا متاخرين إلى العاصمة، لقد انصرف معظم الموظفين ولم يقبلوا ايوائه بعدما اثبت طبيب الحالات الطارئة إن الحالة لا تعود إلى قسمه، كان مدير مستشفى المركزي قد غادر إلى بيته فاضطر المسعفان إلى حمل المسجى معها إلى الفندق فتناوبا على السهر في سيارة الاسعاف حتى صباح اليوم التالي.
استقبلهما المدير بوجه عابس، لم يلمهما بل اشاح عن عين احدهما العوراء طردهما بكلمات نابية، قرأ الملف جيداً بينما المسجى راقد على سرير متحرك وينتظر خارج بناية الادارة، بعض الزوار يمرون به دون اكتراث الا صبيا داعب منخريه.
عند خروج المدير مع اثنين من الممرضين، استوقفته عجوز، كانت تسال عن المراحيض، تافف المدير واجاب الممرض. رفع الغطاء الابيض عن الجسد، طالعه المدير بنوع من الاهتمام، ارتسمت نصف ابتسامة ثم استدار نحو الممرض:-
- تمرره على جميع الاقسام، يجري له فحص تام وبكل الاجهزة في الاقسام الثمانية مع تقرير وافي يوقعه طبيبان، لا تتركاه حتى يقيم الوضع بشكل جيد.
عاد لدائرته، ثمة طابور طويل من المراجعين يودون المساعدة . تحاور الممرضان ثم قررا أن احدهما يتولى المهمة والثاني يذهب ساعة لقضاء شؤونه الخاصة واتفقا أن يلتقيا عند قسم الجراحة.
المستشفى يقع على شارع رئيسي في العاصمة ويعج وقت الذروة بمركبات كثيرة تتنابز بصفارات من انغام شتى، مما يدفع الكثير من المرضى عدم ارتياده الا في الحالاات القصوى.
هو عباراة عن مقاطعة كبيرة، كانت في الاصل اراضي زراعية، تثمر باستمرار البطاطا وعلى هذا شاعت عنه تسمية مستشفى البطاطا، لكن الطليان عندما حضروا لهذه الارض منذ قرون قرروا قلع البطاطا وبناء مجمع عيادات طبية، لذا فان الاقسام تشكل بنايات منفصلة عن بعضها وتتباعد بارض خالية، كانت هذه الارض حدائق جميلة وقد اعتنى بها الطليان لكنها اهملت لاحقا فصارت مكب نفايات الاقسام، تبقى اكياس القمامة حتى الثانية ظهرا تتكدس،، ثم تحملها سيارة الزبالة والتي غالبا ما تتاخر او تتعطل.
البنايات لا ترتصف بشكل منظم، فثمة بناء، هو في اصله مستطيل ويتكون من دورين، شيد باتجاه الشرق ويجاوره بناء اخر يتقاطع معه في احد الاركان مما جعل الساحات الفارغة غير منتظمة الشكل، فمرة تكون على شكل مربع واخرى نصف دائرة واسعة وفي الغالب تبدو فلاة مقطعه الاوصال.
عند الباب الخارجي يقف حارس عجوز، مهمته تنظيم السير والسماح بدخول المؤكبات الى المستشفى، إذا اكتظت السيارات يحول الاراضي الفارغة إلى مواقف المركبات ويتقاضى عليها اجورا، الحارس يتذمر دائما وكلما مر امامه المدير يبث شكواه، لديه وعد بان ثمة حارس اخر سيقدم قريبا لعينيه على العمل، هذه الامنية رافقته طويلا حتى مسك المدير لما كان يرفع الغطاء عن المسجى فوق السرير المتحرك , الح كثيرا وشد انتباه المدير بكثرة الملفات في يده.
- ماذا تحمل؟
- مرضى يؤدون الايواء
لهذا نسي المدير أن يتصل هاتفيا كما اخبر الممرضان بالاقسام بخصوص المريض، فلم يتفاجأ الممرض عندما ادخله القسم الأول أن الطبيب المشرف لا يعرف شيئا عن الحالة..
- اتركه هنا وتعال وقت الظهيرة.
فرح بالامر ولحق زميله لقضاء بعض شؤونه الخاصة، ترك السرير عند بوابة قسم الباطنة مما سبب مضايقة إلى الناس الذين يدخلون أو يخرجون كل واحد يدفعه باتجاه . عجلات السرير تجعل الحركة سهلة، صبي مر برفقه امه دفع السرير حتى نهاية القسم وعندما انتهت معاينة امه سحب السرير ثانية واخرجه من البناية كلها، الام نهرته مرتين وفي الثالثة تركته يلعب به، لقد مل من لعبة السرير عندما وصل إلى مكب النفايات، عاد لامه واتجها نحو البوابة الرئيسية. ظل السرير يتمرجح بين الاقسام والاراضي الخالية ومستودعات القمامة اسبوعا عندما تذكره المدير قبل خروجه في نهاية الدوام من اليوم السابع ولم يجد حراجة من أن يوصي البواب العجوز في البحث عن السرير. تلك مهمة شاقت على الرجل العجوز، لقد اضاف اليه عبئا جديدا فزاد من الشكوى. شتم المدير جهارا بعدما توارى عن انظاره . ضرب دماغه براحة اليد كأنه يود أن يتركز، لقد سمع كثيرا عن هذا المسجى. المراجعون يشكون من وجود السرير قرب موقف السيارات أو تجمع القمامة،. الكادر الطبي يتهامسون بنفس الموضوع، هو مخزن اسرار واشاعات المستشفى، تلتقي عنده وتفترق.
ترك البوابة، بدافع الفضول راح يسال عمن راى السرير المحترك، لقد اهتدى عليه بعد جهد.
- ساضمن الهدية.
خمن قيمتها، شعر بالانتعاش بعد أن خطر بباله رقم كبير
- لابد أن ياتي الشاب اليوم أيضاً.
لقد اعتاد مروره وسؤاله منذ بضعة ايام، شاب نحيل وقصير يسال دائما عن استاذه، لقد فقده منذ عشرة ايام، بحث في اقسام الشرطة وجاب البلاد من الغرب حتى وصل العاصمة، لم يعثر على اثر له، لكنه مقتنع أن استاذه لابد أن يكون هنا واغرى البواب بهدية قيمة أن وجده..
الحارس العجوز تفقد المسجى واطمئن إلى أن الجسد كامل فلم تسرق يده أو رجله، انتشى عندما تذكر الجائزة، ابتسم للراقد ثم فكر أن يضعه في مكان امن ريثما ياتي الشاب، فكر كثيرا وكل فكرة يطرحها جانيا ثم استقر عند راي اخير..
- اخبئه في القسم الجديد، هو في طور التانيث ولا احد يدخل إلى بناية (معالجة الجملة العصبية)
سحب السرير من موقف السيارات واتجه به إلى نهاية الارض الفلاة، دفع البوابة الزجاجية فوجد نفسه بمعية السرير في صالة واسعة ونظيفة.
فيها احد عشر سرير، تفصل بستائر سميكة، حشر السرير بينهم ثم بدأ يكتشف القسم، في النهاية وجد طبيباً شاباً، وبعض الموظفين، بادروه بالتحية، فهو اشهر من علم بهذه المقاطعة، الكل يعرفه ويحيه.
- ها .. حاج، تفضل.
نهض الطبيب واخذ بيد الحارس، شعر بالارتباك ثم انفرجت اساريره حالما ابدى الطبيب الاستعداد للمساعدة.
- أنا مثل ابوك، تعال انظر هذه الحالة.
قاده إلى السرير المتحرك، انحنى فوق الجسد، الحارس يراقب الحركة.
- هل هو قريبك؟
ناداه، انحنى العجوز واجاب بالهمس.
- لا، لكن يهمني امره..
- حاضر يا حاج، اعتبره في ايدي امينة، وسيكون اول مريض لنا سوف يبقى هنا وتحت اشرافي.
مد يده ثانية ليودعه، خرج الحارس منشرح الصدر، كأن الهدية اصبحت في يديه.
من سوء طالعه أن الشاب لم يأت على موعده فاجل فرحته حتى اليوم التالي، بيد أن الشاب غاب ثلاثة ايام، ساوره الشك اولا ثم القلق وقرر أن يبحث عن الشاب، وديعته في الحفظ والصون ويمر عليها كل يوم، فاصبح وجود الشاب هو المعضلة، بكل الطريق الملتوية تناهى اليه أن الشاب عند مرقد ((سيدي عبد السلام))، حمد الله أن الشاب لم يمت بعد والهدية لازالت.
- الافضل أن تاتي.. لهفته على استاذه جعلني احدس انه ات لا محالة.
شعر الحارس بثقل الامانة وقت امطره طبيب القسم الجديد باسئلة عدة، كان يحتار فيما يقول، لكن في داخله احس بالتعاطف مع هذا الغريب، تخلى عن فكرة الهدية وارتبط بالود، كان يتلهف لرؤيته، دون أن يحاصر بالاسئلة.
- يالعزاء امك واهلك.
واقتنع أن ما حدث كان محض صدفة، ومن الصعب أن يؤسس عليها، حاول التملص بان بث دعاية بانها مسؤولية المدير وعامله باهمال، لكن قبل انتشار الخبر قدم الشاب.
التقيا بعناق حار، كللته لهفة الحارس باخلاء طرفه من ورطة، والشاب بعثوره على ضالته، سارا نحو القسم الجديد، الحاج انهال باسئلة جمة، لم يك الشاب في وضع أن يطيل بالكلام، كان يلتهم المسافة قفزاً، تحدوه رغبة عارمة بان يتأكد، لقد ساوره هذا الوسواس ولم يعتد كثيراً لما سمع.
اسبوعان وهو يجول البلاد، يخرج من مدينة ويدخل اخرى ومن دون أن يحض بخير يقين، الكل ينفي، هاتفه لم يتوقف من كثرة اتصالاته مع مراكز الشرطة والمصحات، حتى ظن أن استاذه قد ضاع فعلا، الرغبة في معرفة مصيره تأكل قلبه وسلامته أصبحت على مر الايام حلما خائباً.
- أن حدث شيء فادفني عند شجرة ادم.
توجعه وصية الاستاذ إذ يشعر بالتقصير من أدائها، لكم هي حاجته ماسة إلى وجود الاستاذ، لقد اخذ بيده منذ امد، كان عونا له في مشوار الحياة، ازدادت الصلة قربا منذ خرج ذات يوم من بيته غير اسف، لقد رحب به واستضافه في السكن، من يومها نذر نفسه لخدمته، كان الاستاذ يحرص على الصداقة والشاب على الخدمة.
يعشق الليالي الحلوة التي قضاها وهو يسمع إلى الشروحات، يدخله إلى عالم واسع ويفتح له الافاق، حتى مواد الجامعة كان يفسرها بطريقة سلسلة وصار الامتاع هو الرغبة المتاصلة في حياته ودراسته.
لم يخطر بباله أبدا أن يفقده ذات يوم، لقد تعهد الاستاذ باسناده حتى ينهي الجامعة، امتلا اشراقا بالحياة وشب هادئا، رزينا وذو مهابة بين الطلبة.
- ارجوك، اسرع ياحاج.
الحارس عند البوابة الزجاجية توقف واشر أن لن يدخل معه، الشاب القصير والضئيل مرق دون مواربة بين ضلفتي الباب، لم يرأه احد، لكنه اثار انتباه العاملين ببكاءه فوق السرير، هرعوا اليه يرفعونه، ابى أن يتزحزح، ظلوا صامتين ويستمعون إلى تشنجات الشاب، عندما شبع من النواح نهض عن السرير، التفت صوبهم:
- هذا استاذي
لم يعلقوا، استمعوا له
- هو صديق العائلة
رحبوا به، قاده موظف إلى غرفة
- منذ اسبوع ونحن نبحث عمن يعرف الرجل
- لقد جبت كل المدن حتى يأست. شكراً لكم
- تعال غدا، سترى الطبيب، هو سيعطيك شرحاً وافيا عن حالته.
تودعا، في الليل تسلل الشاب إلى البناية ليبقى بجوار السرير.
في الصباح عرف نفسه بايجاز، امام طبيب القسم، وعرف استاذه بافاضة، الح الطبيب ببعض الاسئلة فلم يترك الشاب شاردة أو واردة إلا ورواها، ابسط الاشياء صارت مهمة في نظر الطبيب. كان يصف عادات استاذه، بشغف والطبيب بدون ملاحظات، مرات يطرح نفس السؤال بصيغ عدة.
- اريد أن افهمه، سيساعد في علاجه.
اربع ساعات يقص الحقائق ولم يتعب الطبيب،؟ بل كان يتجدد كل حين ويفرح عند سماع معلومة مهمة.
- اخبرني عن وضعه؟!
قام الطبيب ولم يرد
- ارجوك..
- عند الظهرية تعال نكمل الحديث.
ذهب إلى الحارس ليقضي الوقت المتبقي
- لازال الخير بهذه الامة.
استعاذ الحارس بالله ورفض الهدية، لم يك الشاب ينوي مغادرة المستشفى، القلق يرتسم على محياه، تأخذه الظنون لكنه تصبر، يبتعد عن الحارس ثم يعود، ثم قفل راجعا إلى القسم، رن هاتفه ولم يرد، كلم عائلته قبل ولوج البوابة، وجد الطبيب يجري تمارين رياضية إلى ذراعي المسجى ثم الساقين، كان يستجيب للحركة، دنا قريبا وشاهد الجفون مسدلة فشعر بالحزن.
- لا تحزن، ثمة امل
تبع الطبيب إلى غرفة، جلس على كرسي جديد، اغلق الباب فاحس بوسع الغرفة، لم يبدأ الحديث بعد، لكنه بدى كمن يراجع افكاره قلب بعض اوراق الملف.
- ما اسمك؟
- جنيد البغدادي.
لملم الشاب نفسه مستعدا لسماع الخبر المشوق.
- اسم غريب، ومن يكون المسجى؟
- انه استاذي، هو طبيب مثلك.
- اعرف هذا، وجدت معلومات في الملف، يقولون انه تعرض للسرقة، انا لا أظن، من فعل هذا به كان خبيثاً، اراد تدميره، أن يبقى حياً وميتاً في آن معاً.
- ماذا تقصد؟
- كل الكشوفات ومن جميع الاقسام التي مر عليها تؤيد أن اعضاؤه سليمة، القلب، الرئة، الكبد، المعدة، كل اجهزته الداخلية تعمل بانتظام، أي انه لم يصب بنزيف أو أي تلف.
توقف يسترد انفاسه ويبلع ريقه:
- انه انسان معافى، مثلي ومثلك لكنه معطل الحواس، استجابته إلى المؤثرات الخارجية ضعيفة، ثمة من تعمد تخريب جملته العصبية..
- ماذا؟
خرجت من الشاب مثل الصرخة بعدما نهض عن الكرسي وارتطم راسه بطاولة.
- اهدا، لا خوف عليه، أي حدث عارضي ممكن أن يعيده إلى الواقع مع التمارين سوف يتحسن تدريجياً.
توقف عن عمد ريثما يجلس الشاب ثانية.
-غداً اعطيك الجزم النهائي، سوف نصوره بجهاز المقطع والرنين وعليه سنرى أن كان يحتاج إلى تدخل جراحي من عدمه.
الم الصدع اطاح بالشاب فسقط ارضا، اغمى عليه فتراكض المسعفون. تولى المهمة الطبيب، ربط له انبوبة تغذية ثم ربت على خده:-
- هل تعاني من مجاعة ياجنيد لا باس عليك
كان ممدداً على سرير يجاور استاذه، تبسم وتوجع فأمره الممرض بعدم الحركة.
- ساعة وسترفع عنك الانبوب، عليك أن تاكل جبداً ولا تجهد نفسك
شعر بالراحة بعد اوصى الطبيب بتعليماته.
- تستطيع أن تبقى مع استاذك، القسم فارغ ولازال جديد، اراك غداً.
لم يخطر بباله أن يفعل شيئاً، فضل السكون فوق السرير، ينظر صوب استاذه ثم يغمض عينيه، سمرهما في السقف فوجد الفراغ، زاغ عنه بان اصطنع اغنية لم يسمعها، لم تأت الترنيمة بلسانه، افرغ راسه من أي هاجس، محاولاً الهروب من العبء الذي يتجسد امامه، تسلل الخوف اليه لكنه طرده بسرعة، اعتبر تحمل المسؤولية هي اختبار لرجولته، لقد نضج فعلا وعليه أن يكون كفء، اغمض عينيه، ارتسمت في مخيلته هالة سوداء تقتلع الجذور، ناح عنها بان دندن مع نفسه، هذه المرة كانت الاغنية اليفة، جاءت بالسكينة، امض وقتا طويلا يعيد المقاطع حتى فرغت، لازال الهم يداهمه، اضطر أن يبعد اضطرابه بالنهوض، تمشى في الردهة، وصل إلى البوابة الزجاجية، عائلته تقف بالخارج، سر أن راهم، فتح الباب ورحب مثل من وجد ضالته، كان الاب في المقدمة، لكنه اخرجهم ثانية بعدما دفع السرير إلى خارج الردهة، لقد خوله الطبيب بذلك، وجد لزاما عليه أن يدير التعارف في الهواء الطلق, تحلقوا حول السرير، الكل ينظر إلى الراقد، لا دهشة بل انكسار يلوح في العيون، قال جنيد.
- اقدم لكم، مالك الوجد.
كأن الاسم اثار شجونا قديمة، دمعت عينا الام، الاخت اقتربت كثيرا حتى لامست وجهه.
- مالك..، اقدم لك ابي، هو من استقبله ابوك في ((القرنة)) كان ينتظر قدومك منذ اربعة عشر عاما، ها هو ضرير وهذه والدتي، كانت تتمنى عدم مجيئك حتى تزوج بناتها من غرسها، وهذا اخي الشرطي، هو من طاردك عامين...
- لحظة، انتظر، لم اكن اعلم، طلبت مني البحث عن زوج صديقتها، ادعت انه سرق مهر زوجته.
- هذه اختي الوسطى، كانت تتشوق لسماع اخبارك يا مالك، الاخت الكبرى كما تعرف مقيمة في ((بني وليد)) كما رغبت انت
- ماذا؟
ثلاثة منهم عبروا عن استغرابهم بالسؤال.
- بلى.. مالك الوجد مقيم بهذه الديار منذ امد.
التفت صوب ابيه وعيناه مستقرة في وجه والدته.
- ابي، مالك بارك خطوبة طبيب المجمع الصحي على اختنا سالمة الوسطى، ويرجوك أن توافق.
اكتسحت وجه الفتاة الحمرة، دارت راسها إلى الجدار بيد انه في الحقيقة اقترب من مالك، طبعت قبلة على خده، بانت بعض الفرحة على الاب، عندئذ هلهلت الام واطلقت زغرودة، خافتة خشوعاً للمريض الراقد.
- افرحي، مالك سعيد بهذا الزواج.
- كيف حاله الان؟
سأل الاخ فراح جنيد يشرح لهم ما سمعه، كان يقص بنوع من التفائل، ثم يظهر الحزن في صوته، في داخله خوف لكنه يكابر ليبدو قويا امام العائلة، في نهاية حديثه شعر بالثقة في نفسه ما دام قد تعهد امامهم بتحمل مسؤلية وضع استاذه, جلب الاخ الاوسط طعاما، فرح جنيد فانهمك ياكل بنهم، تركته العائلة منغمساً حالما شبع انتابته الراحة، ربت على بطنه عدة مرات، ثم جاءه الكسل، استرخى فوق السرير وسرعان ما غط في نوم عميق.
ردهة القسم حل فيها الظلام، يسبح في هدوئها بعض من تيار هواء، يعبر من خلال نافذة مفتوحة، تتطاير له بعض الستائر، خلق جواً منعشاً مما زاد من رقدة الاثنين.
عند الصباح مر الموظفون بهدوء، السكينة لازالت تخيم على القسم رغم توافد العاملين، اغلقوا الباب بعدما سحبوا سرير مالك , لم تصر عجلاته، كانت لينة ومطاوعة فوق الارضية.
بعد الظهيرة اعادوه ثانية فاستيقظ جنيد، فزع لما راى ضوء النهار قد علا البناية، كأن شيئا سرق منه، تلمس جسده اولا ثم تاكد من وجود الاستاذ, استرخى توتره واطلق زفرة طويلة، عاجلة طبيب القسم بتنهيدة مماثلة، كان يقف فوق راسه, نهض خجلا ثم مثل تلميذ انسحب خلفه، اغلق الباب كالعادة، استقر الطبيب وراء طاولة وجنيد اتخذ نفس الكرسي مقعداً، ايقظ حواسه جميعا ليسمع الخبر، مازحه الطبيب اولا ثم تلبس هيئة الرصانة، بانت الجدية في صوته:
- لا نزيف داخلي، لا ورم، لا تلف، لا كسور، لا تهدج في الانسجة، مبروك الرجل معاني وسليم، لا يحتاج إلى أي تدخل جراحي.
توقف عن الحديث بعدما ابتسم جنيد ملئ شدقيه.
- يحتاج إلى رعاية خاصة، سأوصي لك بمجموعة تمارين رياضية, انا اثق بقدرة دكتور مالك. وسيعود يتألف مع الحياة.
انهمك يكتب في اوراق امامه، استغرق وقتا ثم ختمه بان رسم توقيعه فوق الورق.
- بامكانك أن تبقيه هنا لاي فترة، لكني افضل ان يرحل إلى دياره، هنالك بالتأكيد سيرعاه اهله.
انتاب جنيد الحزن، شكر طبيب القسم وخرج من الغرفة باسى لاول مرة يثقل كاهله الهم، أحس بخطورة الوضع، إذ اصبح لا مناص إلا أن يتحمل الوزر، الضحية لازال استاذه والفاعل كانت اخته، فلا خيار من قبول قدره
بصدر رحب استجمع افكاره ورتب خطواته القادمة، امامه مشوار من التعب كيما يهيا عملية النقل والتسفير، كان في لجة الدوامة عندما وقفت بجواره سيدة متشحة بالسواد، تضع خمار شفافاً فوق راسها، لا يكشف إلا عن عينين ذابلتين. سمع صوتها، مخنوق من نواح متواصل، تخرج الكلمات متهتكة، لم يفطن لما تقول، بل شدته الكتلة الناحبة، السواد يخفي جسداً مرتعشاً وخائراً، انتظرت عند طرف السرير لتجلس فنهرها جنيد:
- قومي يا مرأة.
طأطأت راسها واقفة، بحثت عمن يسند قوامها، فاتخذت من سرير اخر كرسيا.
- من أنتٍ.. وماذا تريدين؟
رفعت البرقع فبان وجه شاحب وعيون متورمة من البكاء، الحرقة تترصع ببقع دم حمراء، الارق أحال الجفون لاهداب مكسرة.
- انا اختك، بنت البطة السوداء
- لعنة الله
انتفض، ردة فعله سريعة، انتصبت ذراعه ورفرفت اصابعه توحي أن رجساً قد اقترب، تلك الحركة كانت كافية لان تهوى الاخت فوق الارض، تشنجت ورفست ثم مدت يدها تطلب الهواء. كانت تختنق، مسدت رقبتها عدة مرات، هو يتفرج ولا يحرك ساكناً
- اختلطت عليك الامور فلم تعدي تميزين...
- كيف تعرفه؟
- تضخمت ذاتك فقتلت كل ما هو جميل.
- كيف تعرفه؟!
- قتلت روحك وجعلت جسدك عبئاً فوق خلق الله.
- أجب... منذ متى تعرفه؟
- كانك تتناسين، منذ ايام قصاصات الورق الصفراء، هو استاذي
- اذن انا مغفلة!!
- غبية النفس كانت تريده، بالخطأ اعتقدت انها رغبات الجسد.
- انا، اذن لم افقه ما حدث لي.
- بلى حاربت الجمال بالقبح، لطالما شرحت لك وكثيرا حاول مالك أيضاً، الجزء المظلم من ذاتك اضاع الحقيقة.
- بكلامك هذا انت تهد كياني... كل ما بنيت.
- انت كتله مشوهة.
- عليوه... اياك والتطاول.
- انا جنيد، اغربي يا وجه البومة.
غادرت مندحرة عند البوابة وقفت كثيرا، تنتظر من يناديها، رجعت خطوة إلى الوراء، توقفت ثانية، حائرة لا تلوي على شيء، طال انتظارها، لم تبرح، لعل المنقذ يقدم، اخوها تشاغل بترتيب الغطاء فوق الجسد المسجن، اراد أن يستنشق الهواء فوجدها. اجتازها عابراً البوابة، عندئذ تحركت لاحقة به، وضعت يدها على كتفه راجية.
- اتعض، بما اصاب زمرتك.
نكست راسها.
- يا امرأة، اتعرفين؟ عرفة العراب صعد الماء إلى مخه.
- اعلم.
- اتعرفين؟ وهاب السلف اكل الجرب جلده
ظلت ساكنة، فتواصل سوطها
- والخيزران تشتعل في اطرافه نار
- ماذا؟!
لم تستفسر، كانت تبلع ريقها
- تهاوى برجك، اطلبي الغفران
سار بخطوات سريعة، بعض الوقت فتوارت عن انظاره، احس بالراحة، تنفس الصعداء، ثم اطلق زفرة.
- على بركة الله نبدأ السفر.
سبع ليال وثمانية ايام هبت ريح عاتية، اقتلعت رمال الصحراء ونثرتها في ازقة المدينة، اختفت الاحياء بعدما صارت كالحة، هوت جذوع الاشجار، كاد الموكب أن يصطدم بها قبلما يخرج إلى طريق المطار.
الشارع واسع، تغطيه الرمال من الجوانب، الانارة تتهافت أمام الحصى المتطايرة والحشرات الحائمة بكثافة حولها، الموكب يتكون من سيارة نوع فورد حمراء اللون ومكشوفة السقف، تحمل سرير ذي عجلات ومغطى بناموسية من الحرير إلى الخلف صف من عشرين سيارة، يركبها اصدقاء ومحبي مالك الوجد.
الاصوات تتعالى، تشدو بابتهال، ترافقه نقرات على الدفوف وفرقة القرب تعزف الحانها بانتظام، الموكب يسير باتجاه المطار وكأنه يسابق الريح، جنيد يخاطب استاذه:
- هؤلاء مريدوك يا مالك.
امسك قطعة الحرير وهز السرير:
- نحن نغادر ارضا إلى الارض يا عطر السناء.
يتوقف، يشد انتباه الراقد:
- نحن نبرح وقت الردى إلى ضوء الفلك.
*********
تقع ((القرنة)) عند ملتقى النهرين، من الخاصرة اليسرى لنهر الفرات تمتد على مدى النظر ارض شاسعة من قصب البردي والى الامام تقع المدينة، طينية في البدء ثم امتد العمران لها كلما كثر سكانها، هانئه وهادئة تنساب على امتداد شط العرب باتجاه الجنوب، حيث يمتد الطريق العام المؤدي إلى ((البصرة))، الطريق في بدايته يقدم من الشمال بمحاذاة نهر دجلة ثم يتخذ شكل استدارة ليتواصل نحو الجنوب، عند الاستدارة، انشئ جسر متحرك فوق النهر كيما تعبر إلى الضفة الاخرى والتي هي ارض زراعية واسعة، تمتد مع الانهر لكنها تترك بقعة صغيرة اقيمت فيها المدينة.
سكان ((القرنة)) في البدء فلاحون لكنها تحولت إلى واحة يرتادها اهل الاقليم بعدما دخلت اليها الحرف , على طول الشارع الرئيسي الذي يفصل المدينة ارتصفت الدكاكين يقطنها اصحاب الورش. وهم في غالبيتهم من سكان مدن مهاجرين، اختاروا هذه البقعة لوداعتها ولان اهلها مشهورين بالكرم. بيد أن هذه الدكاكين سرعان ما تحولت لى مقاهي ومطاعم وزوايا لبيع المسكوكات التي تحكي تراث المدينة منذ أن قام فيها نوح بصنع سفينته.
تتحول المدينة إلى مهرجان حينما تخرج منها المواكب، في مناسبات كثيرة يحيون الناس احتفالات شتى، اكبرها ذلك الذي يحدث اثناء موسم الحصاد، والذي يصادف دائما اواخر الربيع، حيث تخرج المدينة عن بكرة ابيها، بنات وصبيان متجهين إلى الحقول، يبدأون الاحتفال بعد بزوغ الشمس ويشتد اثناء الظهيرة، يتجمعون زمراً وسط الحقول ليرقصوا.
خرج الموكب من ((القرنة))عند ملتقى جانبها الشرقي، وعليه أن يجتاز حقل سنابل القمح الذهبية كيما يصل ضفة النهر، فضل الشبان والصبايا الالتفاف حول الحقل من الشمال ثم الانعطاف نحو الخاصرة وصولا إلى مصب النهرين، لكن صاحب الحقل استشاط غضبا حينما علم بنيتهم وابى معاندا إلا أن يمر الموكب وسط حقله، لقد شهر بندقيته بوجه الشباب فلانوا مطاوعين اكراما لعناده، يعرفونه جيداً ويقدرون محبته إلى ذويهم، فهو وان سكن اطراف ((القرنة)) إلا انه من نسل علائتهم الكبيرة.
دخل الموكب وسط السنابل، كانت تعلو هاماتهم، بيد أن السرير يبدو من بعيد وكأنه يطوف فوق رؤوس السنابل المحملة بالقمح. الفتيات مرحن قليلاً تعالى الضحك لان عمهن يسير فوق الحقل، كانت الصورة بالنسبة لهن خرافية، لكنها مضحكة أيضاً، الشباب يتلاطفون مع الفلاح بكلام طيب عن محصوله لهذه السنة، غمز احد الشبان الشيخ.
- سنأكل خبزاً حاراً.
- من تنوري
خرجت من بين سيقان الحقل امراة منحنية الظهر، في صوتها رنة صلابة وعزم.
- من تحملون؟
سالت، تأبى أن تمر عليها الغرائب دون دراية.
- انه يا حاجة، ابن ((الشيخ الوجد)).
- ماذا؟ مرحى... مرحبا بالعزيز الغائب
وراحت تعدد مناقب مالك، منذ أن رعته يلعب بالطين بجوار الجرف
- كنت اطعمه كل يوم خبز تنوري
من ايمائتها كأنه ابنها، انزلوا السرير رغبة لها، ابتعد الصبية دارت حوله مرات، تتأمله وتروي بعض الذكريات، الشيخ اقترب فاوقفها عن الدوران، سألت كثيرا واستفسرت باسهاب عما اصاب ((فخار القرنة))، بعض ابناء اخواته يجيبون والبعض الاخر يطرق صامتا ازاء لفهة هذه المراة العجوز.
- خذوه إلى شجرة ادم، هناك مرتع صباه، انصبوا له خيمة وستنالون خبزي اليومي.
تحرك الموكب ليغوص اكثر في الحقل، بعض سيقان السنابل تتهشم بمنجل الفلاح فاسحاً الدرب، حينما اجتازوا الحقل انبسطت الارض خضراء امامهم، شقوا الطريق صعودا إلى قلب خاصرة النهرين، تبدأ برابية صغيرة ثم تتصاعد تدريجيا حتى تصل ضفة شط العرب عند اول نشوءه، انحدروا من طرف التلة قليلا حتى برزت الشجرة العملاقة، كان الوقت مغيبا فانعكس لونه الارجواني فوق سطح مياه نهرين وشط، يتلالا اللون مع الموجات الهادئة التي تاتي من الضفة الشرقية لتلامس بهدوء الضفة الاخرى.
بعض من ضوء الشمس يتخلل اغصان الشجرة فيرسم ظلالا وبقعاً ملونة فوق الارض الخضراء. جذع الشجرة مغروس في تربة طينية، تتشعب جذوره في اطراف شتى، تصعد الشجرة مائلة قليلا نحو النهر ثم تستقيم عالياً، اغصانها واوراقها تمتد لتشمل مساحة واسعة.
تلك البقعة باتت ملتقى الزوار والسواح ونادياً لامسيات يحييها الاهالي.
انزل الشباب السرير، صنعوا دائرة في البداية ضيقة ثم اتسعت واستقرت تحت غصن مهدل من الشجرة العظيمة، نسمة هواء بارد مبللة بقطرات النهر تهب عليهم فادركوا أن راي العجوز حكيم
- لابد من خيمة.
لاحت لهم من بعيد تمشي الهوينا، تراكضت البنات نحوها. زوجها الشيخ يتبع خطاها، الاولاد اعتبروا مجيئها امتنانا كبيرا لسيرة العائلة العظيمة.
اصطف الشباب تحت راية الشيخ في نصب الخيمة بينما سرحت العجوز بالفتيات نحو الجرف وهي تلقي تعليمات عن نوعية الطين وطريقة جمعه، شمرن عن سيقانهن وخضن في حوض الضفة، العجوز لازالت تلقي توجيهاتها، يكركرن لصوتها الرنان، رغم الشيخوخة، خمسة وعشرون فتاة نزلن إلى النهر. وجدوها فرصة للمرح التراشق بالمياه، العجوز صارمة في نظراتها لكن شاركت في اللعب، نالت قبلا جمة فاحست بقوة جسدها، كن يجلبن لها اكوام الطين وهي تنتقي، ترمي الكثير وتختار الافضل، صوتها يجلجل:
- مازال ... نحتاج الكثير
القمر يرسل قرصاً فضياً إلى صفحة المياه. الماء بين الاقدام يترقرق وينساب بهدوء.
- نحن بنات اخوته، هو عمنا وتاج لرؤوسنا
تسمع العجوز صوت احدهن وتفرح لضحكها المتواصل.
- ومن يكون الشبان؟
- انهم ابناء اخواته، هو خالهم العزيز
تناديها فتاة اخرى، كانت تغرف الطين بطرف ثوبها فاكشفت عن سيقان بيضاء، تلمع لضوء القمر.
- انتم اذن عائلة كبيرة
الفتيات يتقاطرن نحو الجرف وفوق البساط الاخضر يتمددن
- لا يضاهيه احد في المحبة.
العجوز تبدأ العمل، تخرج اكياس صغيرة من صرر معقودة في وشاحها، تفردها أمام دهشة الفتيات، تشرح مكونات ذخيرتها.
- هذا قرنفل، هذا جوري، هذه حبة ((مستكة))...
انهمكت في الخلط، تأخذ مقادير من اوراقها وتعجنها مع الطين،كل كوم يتجانس تدفعه لفتاة مع امر صارم:
- اعجني... كأنك تعدين خبزا.
انشغلن جميعا، العجوز تطوف عينها تراقب العمل، وغالبا ما تتدخل حتى استوى العجين.
- من تجيد الغناء؟
انبرت ثلاث فتيات في تطريب الام التي تقف امام التنور لتجهز الخبز الساخن لصغارها. بدأت الاغنية حزينة لكن احدى المطربات حورت النغم فضحكت لها، شلة منهن رقصت واخرى تصفق، العجوز هزت اكتافها طربا، فاخذنها إلى وسط الحلقة، رقصن لها، دب النشاط فيها فشاركت مبتهجة.
- انشاء الله... سيحيى مالك.
نالت قبلا اكثر، املهن أن يسمعن هذا التطمين من امراة خبيرة، حملن عجين الطين وسرن نحو الخيمة، ابتعد الشباب عن السرير فاسحين الدرب إلى سير النساء.
اشعلوا قناديل الغاز فعم الضوء المكان والجرف، في كل موضع من جسد مالك تلطخ بنوع من الطين، كانت العجوز بعناية تشرف على اللبخات، حتى تغطى الجسد كله، الشبان يراقبون بصمت، ابتسامة وامل يحذوهم، الشيخ يربت على الاكتاف، كان مطمئنا لما تفعله زوجته، امرهم بجمع الحطب، تصاعدت السنة النار. توهجت بلهب ذهبي ثم استوت متاججة. تجمهر الجميع حولها، ثم مدت الفتيات بساط الطعام. اكلوا بصمت، كأن على رؤوسهن الطير، افرغوا خوفهم باحياء امسية سمر، ابتداها الشيخ بسيرة العائلة واتمها الشباب بدبكة جماعية.
نعست العجوز فنامت عند اقدام السرير، انسحبوا بهدوء بعدما قسموا المناوبة.
- الفتيات بالنهار، ونحن نسهر الليل بجواره.
الشيخ اصر:
- سابقى الليلة هنا.
قرر اثنان من الشباب المكوث معه، عاد الباقون إلى المدينة . قد نام تحت شجرة ادم تلك الليلة جسد الطين ويحرسه شيخ وعجوز وشابان من ابناء اخواته، وفوقهم يزحف ببطء في كبد السماء قمر مضيء.
تشقق الطين بحرارة الشمس المتوهجة فقام مالك عن السرير وسار نحو النهر، كانوا ارقادا عندما وصل الضفة، هرع الشابان ليلحقا بخالهما، لكنه سبقهما فغطس في الماء، تصارخا ولطما، اخرج راسه، كان يستحم، سحبا نفسا عميقا ثم تعانقا فرحا لرؤيته، كما كان ابن النهر يعود إلى سابق عهده يغتسل بالماء وسابحا بمهارة.
توافد الناس فرحا بعودة الغائب، اقاموا الاحتفالات، تحولت البقعة إلى مزار يؤمها ناس من نواحي المدينة الشتى، يقدمون التهنئة. زجالون يحيون جلسات السمر ومنشدون فرق موسيقية يأتن اول النهار، لقد تحولت الارض لمنتجع، اقيمت سرادق للباعة المتجولين، تعرض فيه الحلي والخرز والاثار، يقدمون في النهار ويحملون محلاتهم الخيم عند حلول المغيب.
لم تعد البقعة تتسع للاعداد التي تزداد تدريجيا، خاف الاولاد على خالهم فاضطروا إلى المناوبة في الحراسة اثناء النهار بالاضافة إلى الفتيات، حينما يضيق بهم المكان يسحبون السرير ذا العجلات إلى اول الحقل الزراعي، لكن غالبا ما يتشبث بهم زوار المنطقة على أن مجيء مالك هو الذي احياها من جديد، كاد أن يحدث التصادم عندما قدمت الشرطة وازالت كل العشش المتحركة عن المكان، كان قائد الشرطة فضا في تصرفه ولم يراعي توسل الاهالي بحرمة المكان الذي صار مباركا، لم يكن يسمع بل حد المطرقة ينفذ امره، مما دفع بعض الشباب إلى التشابك مع افراد الدورية. الامر الذي دفع محافظ المدينة إلى القدوم بنفسه لفض الاشتباك، كان رجلا لينا، ومتفهما. تعرف على المسجى فوق السرير، إذ سبق وان كانا في مرحلة الثانوية، ولطالما تغنى اهل ((القرنة)) بعظمة ابنهم البار والغائب عنها سنوات.
- لقد كنت ابيع منحوتاته في سوق المدينة.
دمعت عينا المحافظ وهو يتذكر، وذرفت عندما راه راقداً فوق سرير، نظم زحام المكان وثبت موقع الباعة ونصب بيده خيمة عملاقة تحت الشجرة لتكون ماوئ لمالك وشلته من الشبان والفتيات.
طاف الخبر بسرعة في الارجاء فوفد الناس تباعا من الانحاء البعيدة لعيادة ((صانع الفخار)) يشترون ما يصنع من الطين، لقد رجع سابق عهده إلى اللعب مع الطين، تحضر شلة البنات من الجرف نوع ((الحري)) فيتحول بين اصابع معطل الحواس الى اشكال جميلة، انامله تمس العجينة في الصباح وعند المساء يتسلمها الفتيان منحوته بفخر وود، اولاد الاخوات يعرضونها في محلات المدينة لكنهم ارتاوا اخيرا العرض عند مدخل الخيمة، كان للسواح الاجانب القرار بهذا التعديل عندما وفدوا اول مرة يحملون الات تصوير وبلكنة ركيكة تحاوروا كثيرا مع الاولاد يعرضون سعرا مغريا لقطعة تمثل نصف جذع مصنوع من الطين وصلصل بلهب نار، رفض الفتيان المساومة، فعرض السواح اخذ لقطات عن الضرير الذي يحيل الطين إلى كائنات.
- بعد عرض الفيلم نضمن لكم علاجه بالخارج.
رفض الشباب، كان عنادهم نابع من خوفهم بان يفقدوا الخال ثانية.
- هذه ارضه، سيعود معافى قريبا.
لقد تشربهم الاطمئنان بعدما كثر المعالجون، من مدن بعيدة أتوا، قدموا النصح في الزيارة الاولى ومن ثم باشروا علاجهم، كان مالك يتحرك تحت اصابعهم، يبدي بعض الاستجابة وفي احيان كثيرة تصدر عنه ايماءات، يتقافزون لها فرحا، العجوز تفسر للشباب الحركات وتعدهم بقرب شفاءه، هي لم تنقطع عن مرورها اليومي وتابى أن يباشر أي معالج إلا بحضورها، تجهز خبزها الحار كل ظهيرة، تطعم الفتيات وتنظم لهن الرحلة النهرية قبل المغيب، كي يحضرن الطين كيما يبدأ صناعته في اليوم التالي، الشباب طال مكوثهم حتى اثناء النهار، بيد انهم جميعا يحضرون امسيات الليل، ينظمون صفوف الزوار ويعدون برامج الامسات، وغالبا ما يشتركون مع فرق الانشاد إذ يحفظون عن خالهم الكثير من ذكرياته، تلك التي ورثوها عن امهاتهم:
- ارضع مع حليب امك ارث خالك.
عناد الاخوات باحياء ذكرى الغائب شب منذ نعومة اظافرهم، رسموا صوراً مختلفة عن هذا الخال، حتى جاءهم محمولا على سرير، وجدت الفتيات في العم رجلا احلى من كل الخيال، الفتيان رؤوا فيه امنية حاضرة.
- لن يفارقنا، عاد الغائب إلى اسرته.
- لن نفرط به ثانية.
في صباح نهري تمرغل في التراب، كان جسده يثقل على الحشائش، شعر بلدغة برودة، الجذور تختزن مياه الارض، ابتل بها، تشربتها المسامات، تمرد جسمه، كأنه يفيق من غفوة، النسيم يصعد في الاديم إلى فوق، حيث الحواس، كانت خاملة فارتعشت، الاوراق والسيقان تلتف على الجسد، تصنع تعريشة مختلطة بالنبض الحي، لقد تواصلت الجذور مع العروق فتدفق الدم، يجري راكضاً، يلحق يبوسة الاطراف، حيث تبدو العلامات.
مثل النائم كان، ارتسم تحت وطئة الذكرى التي تسمرت، لم تدور الاحداث بالداخل، الركود يجرفه النبض المتسارع، يزيح بعض الصدأ الذي التحم مع الجدران.
تسري الدرنات من تحت الارض فترفع أيضها إلى الجسد المسجى، تمده بالوهج، اضاءة من رحم التجويف الى عمق الظلام يتشابكان ويلتحمان في فلقة واحدة، لم تقشر بعد لكنها تختزن وهجها، طاقة من طرف فلقة ثابتة في غرين ارض الضفة تتمدد إلى عروق القلب، يصحو النائم، يبعد ظلام العدم إلى مرابع الافق. انه ينمو بالاديم ويتفتتح تحت ضوء النهار، كعباد الشمس مال نحو الاشعة وشعر بالحيوات تتحرك في الجوف.
لم يكن يرغب في النوم، الخروج من الركود استهلك طاقته، استطال به الخمول فحوله إلى السبات، يقطينه نامت عند الجرف، دفعها التيار فترجرجت في الطين، تكورت وتغطت لكنها لم تصل إلى الاندلاع، لازال الغلاف صلد ولم يتشقق، من اللب تاتي الهالات، يتشرب الابعاد، كان الطين يصبغه بالحياة ولم تبدأ بعد فيه، انه ينهض مثل اجمة، طرية لكنها تبزغ من الادينم. كن يتفرجن، تجمهرن الواحدة تلو الاخرى، يراقبن بصمت مطبق، في لحظة ما حاولت احداهن أن تتدخل، تعين العم على الخروج من قشرته، رمقنها بنظرات حادة فانتهرت، سرت رعشة في جسدها، اختض كانت الدموع الملجأ لما انتابها، على مسافة كافية للمراقبة كن يقفن، في البداية واقفات ثم افترشن الارض، نصف قوس يصنعن فوق طرف الرابية، هو كان قريبا من الجرف عندما تمرغل في التراب لكنه تدحرج مثل كرة ليستقر فوق الحشائش مبتعدا قليلا عن ضفة النهر، تصورن أن برودة المياه هي التي دفعته، لكنه في الحقيقة تغلف بطبقة التراب فاراد ازاحتها باوراق الشجر، كن يسمعن طقطقة الاغصان تحت جسده، خشين أن ينغرس غصن فيؤمله، لكنها هشة وتنسحق تحت وطئة ثقله، لم يخطر ببالهن انه يلهو بل يمارس طقسا خاصا به، حركاته تنبأ بذلك إذ انها تتدرج وتتناغم مع معزوفة، لطالما حفظها عن ارثه، كل الاهل يرددون تلك الاغنية الشهيرة عنه، كلماتها تدعو إلى النواح، بيد انه هنا احالها إلى عزف فتناغم لولادة جديدة
- على قتلي جميع الناس تسعى.
مضى عمري وبقت لايامي تسعة
قضى سبعة وبقي يومين لي)).
لم يك بد من تدخلهن، لقد امضى وقتا طويلا مع طقسه ولم يقوى بعد، كان يحاول الانعتاق، لن يخفق أن استمر، الفتيات خفن عليه من التواصل، ركضن مهرولات يزحن عن جسمه الشوك والطين، بعضهن مسح الجسد بماء النهر، استبان تحت ابصارهن تماسكه وبياضه، كأنه قشر عن جلده فخرج بياضه، مشدوهات وبصمت يتبادلن النظرات، ثمة ابتسامات تشع فيهن على حياء، لم يبلغ العم عتية من العمر، يعود فتيا، صلدا لذلك لم يقوين على رفعه، نهض من تلقاء نفسه، رمين فوقه ثوباً فضفاضاً، هن يتحلقن حوله، حالما احس بلهاث الانفس مد يده، تسابقن من تفوز اولا بطرف انامله، هو ميز حرارة الاذرع الممتدة نحوه فأجل كفه طالبهن جميعاً، كانت لحظات من عناق حلمن به طويلاً، العم يعرف بنات أخوانه..
- هل يرانا؟
لم ترد أي فتاة، لاحت منه ابتسامة، كانت كافية لان يرفعن الزغاريد عالياً، الجمهور في البقعة المباركة سمع انطلاقة الفرح، خرجوا يراقبون، هرولوا باتجاه سرب الفتيات العائدات، ثرثرة واسئلة وحكايات انطلقت، قاد مالك المسير نحو الخيمة، الجموع ورائه تسير بخشوع، دلف البوابة واستدل على كرسي، قعد وانشراح ظاهر في وجهه.
ابعدن الجمهور المكتظ عن باب الخيمة حينما هم بالخروج ثانية، شق دربه وسط الحضور، الفتيات يتبعن مسيره، إلى الحقل يسعى، لم يقدن خطواته، واثق يستدل طريقه، انفصل عن بقية الناس بعدما شكلن صفا طويلا يحث الخطى وراءه، تجول في حقل الذرة كثيراً يراقبن ما يبدر عنه، رغم خوفهن لا يعترضن. يقطع طرف ذرة، يقشر غلافها، يسحقها في راحته، يقربها ليشم. لم يشاهدنه يرمي البذور، فتصورن انه يمضغها، على وشك الخروج من طرف الحقل عندما توقف، ادار راسه في عدة اتجاهات حتى استقر، كأن ثمة شيء جذبه، اتخذ سيره خط مائل عن بيت الشيخ حيث الفسحة الواسعة التي ترعى فيها الاغنام، مر بسهولة دون أن يصطدم باي كبش، شعرت العجوز به، خرجت راكضة من دارها، لم ترحب، ظلت تلاحظ حركته، انحنى على خروف هزيل، تحسسه, لاعبه، الخروف حشر قرنيه في حضن مالك، عندما نهض عنه تبعه إلى حيث مشى، توقف عند التنور، فتقدمت العجوز. مالك يطلب خبزا طازجا فهرعت تعد ارغفتها.
- هذا انت، كما كنت في سالف عصرك.
سمعت الفتيات، تكومن حولها، توهج الخطب وفار التنور، وتبدا الاعداد لوجبة غداء، امتد سماط في باحة الدار، اشترك فيه جمع غفير من نساء الجيران، كل امراة تجلب قدر طعام، إلا امراة، اسفت انها خالية اليدين، دثرت خجلها بوشاح اسود، جلست بجوار مالك، اعترضن بنات الاخوان على هذا الامتياز الذي تريده امراة غريبة، همست له فاستدار نحوها، قامت كتلة سوداء منسحبة من المائدة، ذهبت باتجاه العجوز عند التنور، قالت شيئاً وغادرت، بين عيدان الحقل اختفت، العجوز توقفت عن انضاج الارغفة قاعدة الارض، تسارع فتاتان طلبت معونتها باتمام العجين، كأن راسها متهدل بين يديها وبصرها مصوب نحو الارض، لم تجب رغم الحاح الفتيات. عقد لسانها ولم ينفك حتى نهاية الوليمة، عندما أمرت أن يظل مالك في دارها.
انسحب الجميع بعدما حملت عصا تهدد الجميع بالمغادرة، البنات احترن بأمرها، اخرجهن من الحيرة مجيء الاولاد.
- نخاف على عمنا، كانت صارمة.
- لا تخفن، لن تفعل ضراً به، هيا.. عدن إلى ((القرنة)).
استلموا مالك من العجوز بعدما حل الظلام، خرجت به حاملا قنديل الغاز، اقتربت من اول الحقل ونادت:
- تعالوا
خرج الشبان مثل اطياف من عتمة المكان، هشت مرحبة، مسكوا الخال من يده وعادوا إلى المخيم، كان الصمت يثقل خطاهم، توقفوا لما همهم مالك بشيء لم يدركوا كهنه ما يريد، لكن حركته التالية اثلجت صدورهم، صوته يخرج حروفاً مدغمة.
- تكلم.. سيتكلم... اسمعوا.
منحهم ابتسامة جميلة فاوصلوا طريقهم ينطون فرحين.
لم تكن لدى أي منهم رغبة في الحديث، ساد الصمت في الخيمة، انطروحوا فوق الوسائد وشيء ما يثقل صدورهم، يتبادلون نظرات ولا ينطقون، كأن شيئا رهيبا سينفجر أن تكلموا، بعض النظرات تطال الخال الذي اختار جلسة القرفصاء، اثنى ساقيه تحته وطوى ذراعيه على وسطه، جذعه العلوي ينتصب باستقامة، العينان مركزتان في فراغ الخيمة، يطالعون مدى بصره ولم يلاحظوا شيئا . أن مبادرة الحديث العادي ضاعت في خضم السكون، استهلكوا في دواخلهم، هل وصلوا في قراءة انفسهم إلى الخواء؟ انهم فتية يتفجرون حيوية ونشاط فما الذي اناخ بهم إلى السكون؟ ربما ينتظرون أن يولد الرجل من جديد في خضم محاولاته الركامية، تملل في جلسته فاحسوا انه وصل نقطة الاتقاد، دنا شاب وامسك بيده، ارتعش من الرهبة، مسه تيار، كان دفئا ورحمة، حاول الشاب جاهدا تفسير الايماءة، احتار أن يكون مخطئا فيما ظن، قدم ورقة بيضاء، مسكها الخال بنوع من التردد، أومأ بشيء فتفافز الشباب مسرعين، احاطوا به وضيقوا الخناق منتظرين بلهفة ما يسفر عنه، كانت حروفا متعرجة، مسمارية تبدو, قلب الورقة فاستقام الخط.
- لقد كتب.
مثل شرارة احرقت هشيما، انتشرت العلامة فيهم، لم يتعانقوا أو يرقصوا كالعادة، كل شاب يحتضن الورقة، حرز يقربه من القلب، لم يقرأوا بعد ما كتب، اخذتهم المفاجئة فنسوا الطلب، حتى استكانوا لصوت احدهم.
- من يذهب معه إلى المدينة؟
بادر الجميع ووقع الاختيار على اكبرهم، افرغوا النقود واعدوا سيارة على عجل، ارتدى بدلته بنفسه , بعض من لمسات الاناقة اضافها الشبان على هندامه، كان يبتسم لكل يد تمتد، خرج الاثنان فاحس البقية أن الخيمة خاوية من دون انفاس الخال، تمردوا يطلبون النوم، لكن الثرثرة اخذتهم لحد الفجر، غفوا كيفما شاؤوا مع انهم لازلوا يخمنون بالذي سيفعله مالك في (القرنة).
- كأنهم اهل الكهف.
الفتيات يوقضن الراقدين في الخيمة، مر على تبديل المناوبة الوقت الكثير فالشمس ارتفعت رغم تواريها خلف غيوم سوداء محملة بمطر قادم لا محالة، نهضوا بتكاسل، جلسوا جميعا على مائدة الافكار، الشباب زاغوا مرارا من السؤال، لكنهم اجابوا بعدما سألت العجوز، تحمل افطار مالك على رأسها، رفعت قطعة القماش عنه.
- ماهذا؟
لقد رأوا العجب، ثلاثة اواني تحوي طعاما لم يعرفوه ابدا، ابعدت العجوز ايديهم ولم تشبع فضولهم، ساوموها على الجواب فرفضت، ولم يجدوا ابدا من اخبارها بما حدث مع مالك ليلة امس، قالت:
- خير، أن شاء الله.
خواطرها يقينا بالنسبة لهم، شعروا بالانشراح، لملمت الفتيات فتات الطعام لكن العجوز اصرت على عدم لمس أوانيها, ظل لهم طلسما كهنه، استسلموا لعنادها المطلق.
مر النهار خاويا، لا يلون على شيء، اقضوه في رتابة، خرجوا في جولات سياحية إلى المناطق القريبة، الناس ترحب بهم، الكل يدعيهم إلى الضيافة، هم فضلوا التجوال، اجتازوا الجسر الخشبي فوق النهر بعدما رفضت الفتيات السباحة تخوفا من المطر القادم، عند الثنية الاخيرة من طرف الجسر وقبل الوصول إلى الطريق العام توقفت الفتيات، صاحت احداهن:
- انها هي المراة الغريبة.
بادرت امراة متحشمة بالسواد بالتحية، مرقت مسرعة، ومتجهة إلى الشارع المؤدي إلى (البصرة) احدى الفتيات بكره شرير وصفتها.
- شيطان اسود ذو قرنين.
نكصوا راجعين، اطلقوا نكات كالبالون تنفجر مدوية مع كركرة متواصلة، ازاحوا غما غير مرئي.
مع حلول الظلام توقفت سيارة اجرة عند سفح الرابية المطل على خاصرة النهر، اشرأبت الاعناق تنتظر الاتي، ترجل منها رجل وسيم، يرتدي بدلة رمادية اللون مع ربطة عنق انيقة، متورد الخدين اثر حلاقة ناعمة، اضفت نضارة وحيوية على الوجه, اشاع ابتسامة بعرض الثغر إلى المستقبلين، دفع الشاب اجرة السيارة وقال:
- اقدم لكم.. مالك الوجد.
خمسة فتيات اشتركن في (هلهولة) انطلقت من سقف الحلق, العشرون الاخريات اكملن بزغرودة طويلة، كانت اصواتهن ترقص فوق الرؤوس، الرجال والباعة دكوا الارض باقدام ثابتة وكأنهم يتاكدون من صلابتها، انفتحت البقعة امامه، سار بخطى واثقة, يستدل على الطريق من وقع الاقدام، قال الشاب المرافق.
- اقيموا الاحتفال، هيا نشترك جميعا.
دبت الحركة في الساحة، عشوائية ثم انتظمت تحت توجيهات الشاب, رسموا دائرة كبيرة، نضدوا الكراسي، ملئوا الشاغر من الدائرة بفرش اسفنجي وابسطة محاكة يدويا، تعلقت فوانيس الغاز وبعض اوراق الزينة، انبرى الشبان يسوون الارض باقدامهم، انها الفضاء الرحب للرقص، ارتكن عازفوا الدفوف طرف الخيمة الجنوبي.
الظلام انتشر بسرعة والغيوم السوداء تركض والشباب يبدون حماسة للاستعداد، استقر الحاضرون لتبدأ الحفلة، نقر رجل اسمر طلبة معلنا بدء العزف، لكنه توقف حالما سمع صوت سيارة تقترب، مالت الرؤوس نحو شاب ضئيل الحجم وقصير، يعتمر كوفية تلتف بطريقة غربية حول الراس والرقبة , محرج من النظرات بيد انه وصل مركز الدائرة , خلع الغطاء وقال:
- انا جنيد.. ولدي البشرى.
قام عشرون شاب يحيون المقدام، لقد خبروه منذ أن جاء بالمسجى اول مرة، يدفع سريرا في ازقة (القرنة) ويسال المارة عمن يعرف آل مالك الوجد، اطلق اهل المدينة لقب المقدام عليه، كبر في عيون الشباب واعدوه اخا لهم، ترك الجميع وسار صوب استاذه، القى التحية بطريقته الخاصة، كانت تنم عن فائق الاحترام والتبجيل لما لك، عاد ليتوسط الدائرة.
- اسمعوا النبا العظيم.
حبست الانفاس.
- (اليونسكو) سوف تشرف على اعادة بناء مرقد سامراء ( ).
تقدم الراقصون، زمجروا باصوات عالية مع ايقاع اجسادهم، اشترك الجميع ثم انفرد شابان في رقصة (الهيوه)، لم تطق الفتيات صبرا، فدخلن الساحة، خمسة واربعون راقصا ينثرون تراب الارض من وقع اقدامهم، تناغيهم جوقة الموسيقى، تعرقت الاجساد ولانت من التلوي، ارتفع الايقاع, (الخشابة) عزفوا للزوارق التي تمخر الموج وتعبر العشاق إلى بساتين النخيل، طقطق الراقصون بقرب الاكف فرعدت السماء، قام مالك من مكمنة، هدأت ضجة الرقص، فسحوا الدرب له، كان عند اللب، رفع راسه واستدار لجهة الشرق، مد سبابته تؤشر نحو الاعلى، برقت السماء بخط ضوء منكسر، لقد اخطا مالك مكان الانكسار، يده الثانية تطلب الهدوء، ساد صمت وانتظار، رعدت من جديد فغير مكانه، لحظات اخرى ثقيلة تمر، زمجرت السماء فانكسر الضوء نازلا إلى الافق، هذه المرة انحدر نحو الارض، التقطته سبابة مالك، ارتعد بدنه ثم توهج برهة، بغتة سقط على الارض لم يقربه احد , لقد قذف قريبا من اقدام الراقصين، مرت الدهشة للحظات فادركوا أن الرجل واقف على قديمه.
- انا مالك، لقد عدت.
لم يجدوا وسيلة للتعبير غير الشدوة، شدهم الموقف ولم يفطنوا إلى الخال قد تكلم، لبضع لحظات اقتربت ابنة اخيه، تلمسته، طافت حوله، طافت به.
- هذا عمي.. هذا عمي
عندئذ انهالوا عليه , نقر العازف الاسمر طبلته فعادوا إلى الحلبة ومالك يشاركهم, انقضى الليل ولا زالوا يتبارون في الرقص, بعدما انتصف النهار التالي حمل مالك جنيد وابن اخته الاكبر تذكرة سفر لامراة متحشمة بالسواد للعودة إلى ديارها، مع قصاصه ورق تعلن ختام الفصل الدامي.



نيسان 2008




المؤلف:

- له 55 قصة قصيرة، منشورة في الصحف والمجلات العربية.
- له رواية (سفر الثعابين) صادرة من دار الهمداني عدن.
- بعد 30 سنة اغتراب، عاد لوطنه ليتعالى وجع مالك لديه.


أعلى
 غير متصل يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: Yahoo [Bot] و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى: